الآن أحب الأطلال يا سحر
الكتاب الأصلي
العزيزة سحر
اليوم كنت جالس في سريري أحاول انجاز ما تبقى لي من كتابة في مشروعي الأول، فكرت في كتابك البديع عن أم كلثوم، وتذكرت حديثنا السالف في ذلك اليوم المشمس في الحمرا عن الأطلال، قلت لك حينها أني لا أحب الأطلال كثيراً من فرط ما لاكها الناس، لا يثير سماعها في نفسي أي مما تثيره أغنيات أخرى لها، نظرتِ باتجاهي في أسف ونصحتني بأن أجرب ثانية، قررت أن استمع إلى الأطلال اليوم بينما اكتبك شيئاً.
بينما يتذكر الناس العديد من الأغاني لأم كلثوم، كان من البديهي ألا يحب أبي أغنية لأم كلثوم قدر حبه لأقبل الليل، كان بديهياً في سني تلك التي وعيت فيها على اختيارات أبي الموسيقية أن يحبها ببساطة “لأنها أغنية بضان، وأبويا راجل أبضن من البضان”، كنت أقضى الليالي التي تسبق سفرنا مفكراً بهم الساعات التي سنقضيها على الطريق مستمعين إلى قطعة أم كلثوم القوطية تلك، كانت المسافة من القاهرة للأسكندرية، لمرسى مطروح، للغردقة لشرم الشيخ، تتحول لتغدو مسافة من الأشواك أقطعها حافياً!
كنت كأي مراهق أتجنب كل خيارات أهلي، لم تنج من هذه الخيارات سوى فيروز في حينه لأسباب واضحة الآن، لذلك كرهت أم كلثوم، كل ما يتعلق بها، صورها، منديلها، صوتها، كلمات أغانيها، لاعبي فرقتها، التعيس الذي أطلق عليها “الست”، كل المصفقين في حفلها، كل مقدمي حفلات الإذاعة الذين قدموها، مسرح الأزبكية، كل ما لمسته أم كلثوم كان محض تراب.
ظللت على رأيي هذا حتى بلغت الثانية والعشرين من عمري، في أول أيام عيد ذلك العام -أواخر سبتمبر أوائل أكتوبر 2008- كنا جلوساً عند حاتم فخر في داره الدافئة، يومها استخف الطرب بحازم فأمسك بعوده وأنشأ يغني “آه من هواك.. من أول يوم.. ونظرتك ليّ بعينيك..” كنت نصف مخمور، نفض حازم عني السكر ما أن عزف المقدمة، ثم أطاح بما بقى منه حينما غنى، سألته من ملحن ومغني الأغنية، أخبرني “زكريا أحمد لأم كلثوم”، ما أن دخلت غرفتي ليلتها حتى أخذت أبحث كالمحموم عن الأغنية في الاتنين جيجا المتروكين على سبيل درء العين منذ أن أتيت بجهازي، استمعت لأم كلثوم تغنيها مرة “آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه” مرة، مرتين، استمعت للأغنية بلا توقف على مدى أسبوعين، صاحبتني في روحاتي ومجيئي من الكلية، صاحبتني في الاستحمام، صاحبتني في النوم في القراءة في التمشية، صاحبتني إلى أبعد الأماكن التي يمكن للأغنيات أن تصطحب الناس إليها، الآهات يا ثومة، الآهات..
في نوفمبر 2009 كنت أتجول بالسيارة مع سارة عقب عملي كعادتنا في تلك الأيام، كانت سارة حزينة ومغلقة والأسباب: كونية، كنت أفكر إن كان بالإمكان أن ينقذنا من مصيرنا المحتوم أي شيء، بينما تقرر سارة أي اتجاه ستأخذ بالسيارة، داست بلا مبالاة على زر “بلاي” في الكاسيت، وعلى ما يبدو كانت نوران قد تركت اسطوانة لأم كلثوم في كاسيت السيارة، صدحت أم كلثوم مغنيةً الأمل، لم تغلق سارة الكاسيت واكتفت بأن دمعت في صمت واكتفيت بالتظاهر بأني لا ألاحظ.
في فبراير 2010 كنت عائد مع فضل وعبد الوهاب من الفيوم، كانت أيام رائعة الجمال، كنت قد ذهبت أعتل جبلاً على ظهري، قررت دفنه في صحراء الفيوم وعدت بدونه، كنا على خير ما يمكن أن يكون عليه الناس، في يوم عودتنا هطلت الأمطار بعنف، وتزامناً مع هطول الأمطار تذكر فضل أن العربة بدون مساحات، كان موقفنا في غاية السوء، طريق الفيوم ضيق وخطر، المطر يهطل كأنما هو خرطوم من المياة موجه باتجاه الزجاج الأمامي، ونحن لا نرى أمامنا ما يكفي لقيادة عجلة، وضع فضل “شمس الأصيل” في الكاسيت، وقالت الست قولتها، لا طريق، لا فيوم، ولا مطر ولا كون من أساسه يقبع خارج ما تقوله الست، عادتها الست مرتين، صرنا في القاهرة.
الآن يا سحر العزيزة ماذا عساه المرء فاعل حين يستمع إلى الست تشدو “يا حبيباً زرتُ يوماً أيكه .:. طائر الشوق يغني ألمي” سوى أن يحب ما تقوله الست، فكل ما تقوله الست جميل، كل ما يخرج من فمها رائع الجمال ومهول، ضخم وزاهي وملئ الحياة ذاتها، الآن يا سحر العزيزة، الآن تحديداً أحب الأطلال.
في الأغلب لن يعلم محمد قنديل كم أبكي أحدهم حين تعثر مصادفةً بقوله “كحيل والكحل من بابل.. وإمتى عيوننا تتقابل”، وعلى الأغلب أيضاً لم يدرك كاتب الأغنية أن هذا الأحدهم في مكان ما -إلى يسار مدينته الأصلية قليلاً- سيستمع ليتأمل كم أثر العلم “بابل” وارتباطه بالكحل في قوة الصورة، وسيستعيد هذا الشخص ذاته لحظة بعيدة بصور مهتزة تتضمن صورة مكحلة، وفتاة تضيق بجمالها اللغة تقف في صباح زاهٍ تتزين بحرص للحظة وداع قريبة، صور لفرط حساسيتها تطيح بها جمل أغنية قنديل المتلاحقة بينما يفكر الشخص المذكور فيما عساه يعيده إلى هذه اللحظة ليبقى فيها للأبد.
الشقيّ هو الشقيّ ليلاً
والسعيد هو السعيد ليلاً
أما النهار
فيشغل أهله
أثر
يسأل العارف: أتعذبت قبلاً بالحب..
أشير برأسي أن بلى
فقال: فما أكبر ما أصابك منه..
نظرت ملياً في حالي؛ أثره قلت
قال: وما أثر الحب
قلت: ما خلفه وراءه من نشيد
قال: أما النشيد فسهل الطمس، يختل النشيد إن بدلت موقع الكلم، إن غيرت لفظه، إن واريت ذكره، أما النشيد فسهل الطمس، ولكن ما الفعل بأثر القبل على منبت الرقبة؟ ما الفعل بشربات ماء اقتسمتها الشفاه؟ ما الفعل بسقم الهجران؟؟
حنيت رأسي صامتاً، فلم أكن أعلم ما يتكلم عنه حقاً..
يالعنف الآن
تبدأ الأيام السيئة عادةً بأفعال خرقاء..
كنت ومازلت أحب الخرق وأجده أقرب لما هو أصدق وأكثر طزاجة في قلب الناس، حتى وإن كان أفعالاً شريرة في ظاهرها، فالخرق دلالة حسن معدنٍ ما حتى وإن خفت، غير أن للخرق توابع سلبية، منها أنه يستتبع مزيداً من ذاته.
لسبب مجهول أحتفظ بشخص واحد في حياتي كل فترة، أطلعه على مكنون ما أطالع به نفسي، لسبب مجهول ليس مجهول على وجه الدقة، فقط لأني لا أستطيع أن احتمل أعبائي كاملةً مرة واحدة، لابد لي أن أفرغ شيئاً من ثقل روحي من حينٍ إلى آخر، لا أقول أني مثقل دائماً، أو حتى أغلب الوقت، ولكن أقول أن الثقل إن جاء قد لا يحتمل في كثير من الأحيان.
اليوم كنت قد استفضت في حديث –أثاره الخرق- عن مشاعر قديمة، الغربة، عدم القدرة على تجاوز أشياء بعينها، العنف، الارتباك، أشياء مفككة لا تجتمع إلا في سيرة قصيرة لذكر قاهري محدد، كنت أحكي باستفاضة مهولة حين انتابني فجأة –وربما لأول مرة في حياتي- شعور مزعج بالوهن، كأني أفرغ روحي مما يقيمها دون وعي لأجد فجأة أنها ربما بحاجة لأن تجلس لتستريح من دوار مفاجئ ألم بها، وللحظة شعرت بتخبط بشع، تخبط استتبعه استفاضةً أكبر في الحديث، كأنما هي رغبة عنيفة في إنكار أني قد أصاب بتخبط من جراء بوح عشوائي مركز ومزعج الإيلام في آن، ظللت في تلك الدائرة المفرغة حتى قطعتها لمرة أخيرة، “أعتقد إن حديثنا تركني في حالة شديدة الهشاشة” قلت.
ما الذي أزعجني تحديداً، لحظة من الاطلاع مباشرة في عين الروح، شفافية مفاجئة انتابتني، الخوف من معرفة شخص آخر عداي موضع شديد الحساسية في روحي، الخوف من عدم قدرة ذلك الشخص على تحمل الكثافة المحققة لأزماتي الشخصية، لا أدري حقاً، لكني أدري أني قد أحمل نفسي أحياناً فوق طاقتها لا لشيء إلا لأثبت أن طاقتها أكبر مما هي عليه حقاً.
ارتجال
كنت دباً قطبياً، كان العيش أسهل، كلما كنت دباً قطبياً كلما كان العيش أسهل، هكذا يقول الناس، تجوع فتغطس برأسك مسافة بسيطة، تخرج بسمك لا يأسف لأنك آكله، لا يأسف لقرب الوفاة –لأن الحياة متوالية من الأسباب المعقدة يقبلها السمك في مجملها-، لا يأسف ولكن يبتسم، ولا تأسف ولكن تبتسم، العيش سهل، العيش أسهل من سواه.
كنت دباً قطبياً حتى قابلت العارف، وتواري العيش، وتوارى البياض، وتوارت حقائق أبسطها أني دب قطبي ما طمحت يوم لأن أكون غيره، قابلت العارف وتبعته، حتى تساقط عن جسدي شعري الأبيض، إسمر جلدي المكشوف، استقام ظهري، فقدت الكثير من وزني، وبدوت كظل العارف، يتلفت أحياناً فيبتسم، فيغطي الشمس غيم، يربت على ظهري فلا أحن إلى ما صار، إلى أيام كنت فيها دباً قطبياً وكان العيش سهل.
كنت دباً قطبياً فصرت ظل العارف، حتى إذا حل مساء وأصبح، أصبحت متروكاً على حواف صحراء، فلا أنا ظل العارف ولا أنا دب قطبي، ولا الجليد صوبي ولا ابتسامة العارف حدي، ولا سبيل إلا التقدم باتجاه ما، ليس بالضبط أن أعود دباً قطبياً أو أن أكون ظل العارف.
كان ما كان، نجوت بكثير من العسف، اشتريت بذلة وسعيت في الأسواق، اشتريت منزلاً وقررت في بيتي، مللت بيتي فخرجت أمشي بين الناس، وفي طريقي صادفت العارف، ابتسم فخلا الطريق من الناس والطريق، ابتسم فكان ما كان من قبل، إلا أني لوهلة –قد لا ترى على مدرج دقيق للزمن- تذكرت عسف النجاة ومرارة الهجران، فأدرت ظهري للعارف لأستقبل سهولة العيش مرة أخرى.
وكيف نتوب
يقول الذي في قلبه مسٌ من هوى: لولا وريقات زهر اللوز ما بعثتُ حيا..
يرد زهر اللوز: لولا رياح الشمال المرجفة ما وهبك حبيبٌ وريقاتي
وبين ممسوس القلب وزهر اللوز يحار الحبيب..
حسين الحاج - سلامات أخيرة
-1-
بعد ألفين سنه، حَ تحكي علينا كراسي المطاعم ودكك المحطات.
وكل شئ تاني حَ يسكت كأنه ما حصلش وما لهوش وجود عندنا.
-2-
بكره فيه أثر من إمبارح ما بيروحش بسهوله
ما بيتمحيش زي الأسامي ع الرمل ما بتتمحي من موجة بحر.
..
إمبارح حرق. وشم فيه صورته وإسمه وعنوانه، وبكره بيت مسكون بأرواح من إمبارح.
-3-
كبيت أباريق دمع السنين الفايته،
ما كل السنين عيطت في الوداع وأكتر قبلنا.
وخدت الليل والنهار في أحضاني ونمت وياهم،
ونورت طريقهم بالشموع واللمض،
ما همَّ دايماً غربا في سفرهم زينا.
-4-
زي البخيل بأحوّش كلام كتير
لكن بأحوش نفسي
قبل ما أبعت جواب من الوحشة والتوحيش.
-5-
خفت قوي لما مشيت ولاقيت خيالك عدي ورا ضهري كأنه ما يعرفنيش.
-6-
ما ليش في السرير مطرح
ما ليش في البيت مكان
ولا حتى كرسي في قهوه
ما ليش..
واقف بره دنياكي في ليل المطره
بردان ومبلول ومستني
تاكسي المرواح.
-8-
زيّ أول مقابله، كان نفسي أسألك وقت السلام الأخير.. “إسمك .. إيه؟”.. !
-9.025302345-
افتراقنا كان انكسار صوره في مرايه مشروخه .. ومش أكتر.
-10-
في ليل عين شمس أو زحمة الملك فيصل كان صدري بيعبي الهوا بسواد دخانه، القاهرة كلها منسيّه تحت تسع طبقات من مستنقعات قطران، والضلمه تحت أبديّه لولا المآذن واقفه وحيده زي أبراج لاسلكي ساكته بتطفي وتنوّر وتطفي وتنوّر
.…
مصير الماشي يقف ويتأمّل.. لسّه فاكر ليله ما شفت العدرا في عينيكي، كانت بصر وبصيره، كان جلالك من جلال شمس فتّحت في عيني نهار، والقاهره اتغسلت عشانك ولبست توبها القديم، والساعه قصرت وطالت، والدنيا وسعت وضاقت
.…
راجع على سريري من غير نوم، وفي راسي ليله ساكته زي أبراج لاسلكي بتنوّر وتطفي وتنوّر وتطفي.
-0-
أصعب عشر دقايقهمَّ عشر دقايق
يروح فيها كل إحساس بالدفا وينسحب
بعدهم باتسمّر في الأرض بحقيقه بارده ومخيفه
كأني كنت ماشي في شارع مضلّم بأغني ومتوّنس بنفسي
وفجأه صوتي اتحبس !
-1111111111-
ساعه الحصار
يبان كل شئ مقاوح ضدي زي صخر في وش نحّاته
افتكرت نفسي أسير الفشل والضعف
وعملت نفسي ميّت ونطقت الشهاده
لكن عدت نسمه نفخت فيَّ رقتها وقوتها
وصححت الروح من تاني.
-12-
أنا كنت يونس ابن الهلاليه
وبقيت يونس ابن متّى النبي.
-13-
والحياه لما تراضيني تبقى في الرقّة متناهيه
زي الطبطبه بعد العرق والمكاسب والخساير.
-14-
فيه خيط نور من بعد غيم
نفس مريح من بعد خنقة
نبض خفيف من قبل موت
..
فيه لسّه روح.
-15-
ومفيش مشاكل
ما النهار زيّ المشارط
مشارط جراحين
شفرة سلاح
فِ إيد مجانين
أما الليل
قطن وشاش وقزازة يود شبه خلصانه !
-16-
ممكن أفوّت القطر اللي على الرصيف دلوقتي
وأستنى اللي جاي بعده
عشان أشرب شاي بلبن في قهوة المحطه وأتأمل شويه في وشوش المسافرين
وأسباب السفر.
-½16-
لحظه غريبه
تشبك في لحظه قديمه
يصحى اللي كان نايم
بحبّة زعل..
وخلاص.
غسان كنفاني - قرار موجز
كان من هواة الفلسفة.. والحياة بالنسبة له هي مجرد نظرية..
لقد بدأ يتفلسف منذ كان طفلاً، ويذكر تماماً كيف أوجد لنفسه سؤالاً شغله طيلة أسبوع كامل، واعتبره مشكلة جديرة بالتفكير العميق: لماذا يلبس الإنسان القبعة في رأسه و الحذاء في قدمه؟ لماذا لا يضع على رأسه حذاء و يلبس قبعة في قدمه؟.. لماذا؟.. وفكر مرة أخرى بسؤال جديد: لماذا لا يسير الإنسان على يديه ورجليه شأن سائر الحيوانات.. ألا يكون مسيره ذاك مدعاة لراحة أكثر؟ إلا أن مستوى فلسفته ارتفع مع مسير الزمن. وتوصل مؤخراً إلى قرار موجز: “طالما أن الإنسان دفع ليعيش دون أن يؤخذ رأيه بذلك، فلماذا لا يختار هو وحده نهايته.” ومن هذا القرار الموجز توصل إلى قرار أكثر إيجازاً: “الموت هو خلاصة الحياة.” وهكذا، توصل إلى استقرار -هكذا دعاه بنهاية المطاف-.. وأخذ ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يشرع بإختيار طريقة مشرفة لميتة ما.. إذن، فإن من يدعي أن عبد الجبار دفع دفعاً ليشترك في ثورة… لا يعرف الحقيقة مطلقاً. فهو قد اختار بنفسه أن يذهب لمركز التطوع وأن يقف أمام طاولة الضابط ليقول بصوت ثابت: - اريد بارودة لاستطيع ان اشترك بالثورة…وسرعان ما اكتشف أن قضية البارودة ليست سهلة بالمرة.. واأن عليه هو أن يصطاد بارودة ما بالكيفية التي يريد.. ومن ثم يستطيع أن يشترك بالثورة.. - ولكنني قد أموت قبل أن أحصل على بارودة.. هكذا قال خانقاً، ولكنه ما لبث أن سكت وهو يسمع جواباً غريباً، ولكنه صحيح تقريباً: - وهل أتيت إلى هنا كي تستمتع بصيفية لطيفة.. ثم لتعود إلى دارك؟ هنا، فكر ان فلسفته تعديلاً طفيفاً.. إذ أنه ربما مات قبل أن يحصل على بارودة، ولم تنقض فترة طويلة جداً كي يتوصل لقرار موجز جديد: “ليس المهم أن يموت الإنسان قبل أن يحقق فكرته النبيلة، بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت” وهكذا استطاع عبد الجبار أن يستحصل على بارودة جديدة تقريباً، ولم تكلفه جهداً بالشكل الذي تصور أو بالشكل الذي أعد، إذ أنه كان يتجول خارج “….” بعد معركة حدثت في الصباح، فوجد جندياً ميتاً “والميت لا يحتاج لبارودة”، هكذا قال لنفسه وهو يقلب الجثة عن بارودة فرنسية ذات فوهة مدببة.
وبين رفاق المتراس عرف عبد الجبار “بالفيلسوف”، وجد المناضلون في فلسفته منطقاً صالحاً لتبرير الأمور التي تحدث. كان معظم الثوار من الشباب، وكان يسره أنه يكبرهم قليلاً وأنه يستطيع أن يجمعهم بعد كل معركة ليدرسهم قراره الموجز الجديد بشأن الموت.
وبعد كل قتيل، كانت الفلسفة تتطور و تتغير… ففي ليلة مظلمة مات فلاح أمي.. و قبل أن يسقط فوق التراس شتم “….” ورجال “….” وفكر عبد الجبار بكلمة تصلح لتأبين الشهيد، فإذا بالكلمة تصبح قراره الموجز الجديد: “إن الفكرة النبيلة لا تحتاج غالباً للفهم.. بل تحتاج للإحساس!”
وبعد ليلة واحدة مات شاب كان قد خرج من المتراس وهجم بالسكين على جندي كان يزحف قرب الجدار، وطلقت النار عليه وهو في طريق عودته الى المتراس.. وقال عبدالجبار: “إن الشجاعة هي مقياس الإخلاص.” وكان عبد الجبار بالذات شجاعا.. فلقد طلب منه الضابط، وكان قد توصل أخيراً إلى إيجاد بذلة عسكرية ملائمة، أن يذهب للميناء كي يرى ماذا يجرى هناك، وقال له أن منظر وجهه الهادىء الحزين لا يثير الريبة في قلوب الخائفين.. وسار عبد الجبار في الشوارع بلا سلاح، ووصل للميناء و تجول ما شاء له التجول، ثم قفل عائدا الى متراسه.. إن الأمور تجري عكس ما يفترض المرء.. فلقد عرفه واحد ممن اشتركوا مرة في الهجوم.. وقبض عليه.. وساقه إلى حيث قال له ضايط خائف بعد أن صفعه:
-إنك ثائر…
-نعم.
-ملعون!
-كلا.
ولم ينس عبد الجبار وهو تحت الضرب الذي لا يرحم أن يضع قراراً موجزاً جديداً: “إن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف…” وشعر أثر ذلك القرار، بشيء من الارتياح.
ولكن الأمور جرت، من ثم، على نحو مغاير. فلقد توصل الضابط اخيراً إلى فكرة اعتبرها، بينه وبين أعوانه الخلصين فكرة ذكية.. بينما عدها عبد الجبار تصرفاً مغروراً آخر ينتج في العادة عن الخوف… قال له الضابط: -ستسير أمامنا إلى متراسكم الملعون.. وستعلن لرفاقك المجانين أنك أحضرت معك عدداً جديداً من الثوار.. ثم سيكمل جنودي بقية القصة… -وانا؟ -ستعيش معززاً مكرماً.. أو ستموت كالكلب إن حاولت خيانتنا… وقال عبد الجبار في ذات نفسه “إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة.” وأمام صفين من الجنود سار عبد الجبار مرفوع الجبين، وفوهة مدفع رشاش تنخر خاصرته.. وقبل أن يصل إلى المتراس بقليل سمع صوت الضابط المبحوح يفح في الظلام: - هيا.. لم يكن عبد الجبار خائفاً إذ أن رفاق التراس قالوا أن صوته كان ثابتاً قوياً عندما سمعوه يصيح: -لقد احضرت لكم خمسين جنديا.
لم يكن عبدالجبار قد مات، بعد، عندما وصل رفاقه إليه ملقى بين جثث الجنود.. وبصعوبة جمة سمع أحدهم صوته يملي قراره الموجز الأخير: “ليس المهم أن يموت أحدنا.. المهم أن تستمروا..”، ثم مات.
دمشق 21/7/1958
زيارات المنام الخاطفة
منذ سنوات لم أرك في المنام يا فتاتي الأعز، منذ يومين فقط خطرتِ على بالي، كنت أفكر إن كان أحدهم قد دمغ الخيال الرومانسي لشخص دون حتى أن يعلم مثلما فعلتِ، لا أدري في الواقع ولست مهتماً بالمعرفة بقدر ما تمنيت أن تبقى هذه الرابطة بيننا، ألفة أثيرية دائمة، للمرة الأولى أراكِ في الحلم كما في الواقع، محجبة وقد بدا على وجهك تغير الانتقال من الطفولة إلى أواسط العشرينات، أفكر إن كنت تتذكريني، إن كنت أخطر في أحلامك كما تفعلين، بالأمس كنت رائقة، كنت أحكي لك عما حدث في سنوات غيابك عن منامي، عن المنامات الأخرى السيئة والحسنة على حدٍ سواء، كنت تضحكين مخبرةً إيايّ أني لم أتغير كثيراً عما كنت عليه منذ عشرة أعوام، أسألك إن كان حقاً، فتخبرينني أن لا، لكنه ما أريد سماعه، أهز رأسي موافقاً في صمت، ياللإرهاق البادي على وجه الحلم، والصفاء البادي على وجهك، وكل الأشياء الأخرى التي لا أعرفها وتعرفينها، وكل الأشياء التي لا يعرفها كلانا، أنهض قائماً في أسف، تمسكين بذراعي وتخبرينني أني عائد لا محالة إلى بيتي، فقط إن تحليت بصبر يعينني على اجتياز المشقة، أخبرك ألا تشغلي بالك، الأمر سيان، تصفعينني برفق على وجهي، وتطبعين قبلة طفيفة مكان الصفعة -أستغربها في وجود حجابك- وتذهبين.
بالأمس صحوت في الفجر محتر الجسد، بقيت ساعة في فراشي أفكر في مدى واقعية أن نكون معاً كما كنا هناك، لم أتوصل إلى إجابة، وعدت للنوم خوفاً من الانفلونزا.
في الصبح كان الياسمين غضاً على فاكِ، وكنتِ طفلة وكنتُ أنا أغصان شجرة رمان تقلبينها بين يديكِ كيف تشائين، تضحكين وتشيرين بكفك إلى صدرك فيضحك شجر الرمان ويدلي غصنه فيصبغ بزهرته خديكِ ويترك حبتين تذكاراً على صدرك، وهكذا كان يا حبيبة شجر الرمان، تمشين فيبعث وراءك السحاب أنيساً، تحزنين فلا يدخل السرور قلبه، تبتسمين فيزهر فلا يعرف زهره صيفاً ولا شتاءاً، ولا عطش وارتواء، لا يعرف إلا ابتسامك، ماء شجر الرمان.
الصورة لحمدي رضا
يا ويح جنبك بالسهم المصيب رُمي
الطريق لا يضل ولا أنا، ولا رفقائي ولا ظلي يضل عني ولا أضل أنا عن الطريق الذي لا يضل، وطيب العيش واحة تلوح في الأفق والمسافة إليها ثابتة، لا ينتقص منها السعي ولا ينتقص من متعة رؤيتها عدم الوصول، والصحبة خير زاد لمن انتوى المسير، والصحبة أنتِ وطيب العيش أنتِ والطريق أنتِ ولا بلوغ، ولا نجاة إلا بشاقِ الصبر، فأصبري واحتسبي عند الله فراقنا، فلعل لنا في الغياب خيراً، لعل لنا بطول الغياب جنان لا ندري أخلقت لنا أم خلقنا لها، لعل لنا بعد الغياب أشياء ما سمع بها جن ولا خطرت على قلب بشر.
العنوان من “نهج البردة” لأحمد شوقي
